.jpg)
_1-itok=GFMKQ6A9.jpg)
- شيخة آل ثاني
كلّ ٤ سنوات يحلّ علينا كأس العالم بسحره المميز ليسلب ألباب الجماهير ويحوّل حتى أقلّ الناس اهتماماً بالرياضة إلى مشجعين متحمسين، فلا يعود بإمكانك التفريق بين المتابعين الدائمين لكرة القدم وأولئك الذين يُصيبهم جنون الكرة مرة كل ٤ سنوات. على مدار ٣٠ يوماً من المنافسات يجمع كأس العالم الناس من كل أرجاء المعمورة في أجواءٍ من الحماسة والشغف والتنوع لا نجدها في أي حدث عالميّ آخر.
أعترف هنا أني لم أكن من متابعي كأس العالم قبلاً، رغم أني كنت أتابع مباريات الأندية العالميّة طوال ٥ سنوات، تجربتي الأولى كانت مع كأس العالم ٢٠١٠ في جنوب أفريقيا، حينها شدتني مباراة الدور نصف النهائيّ التي جمعت بين منتخبي أوروغواي وهولندا، كنت أقف إلى جانب الفريق الأضعف وقد خسر في نهاية المطاف.
تلك المباراة كانت كل حصيلة خبرتي مع هذا الحدث العالميّ، لكنني وبعد ٤ سنوات وجدت نفسي بحكم عملي أركب الطائرة إلى ساو باولو ضمن برنامج الرصد والمتابعة الذي ضمّ أكثر من ١٠٠ مشارك ومشاركة آخرين من اللجنة العليا للمشاريع والإرث والشركاء المعنيين لحضور كأس العالم ٢٠١٤ في البرازيل، وهذه المرة مباشرةً من أرض الملعب.
منذ أن حطت بنا الطائرة هناك، وجدنا أنفسنا منهمكين في توثيق كل شيءٍ من حولنا، كانت تلك مهمتنا كمراقبين، ولكننا كنا متحمسين ونرغب في نشر كل ما تقع عيوننا عليه عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وكنا بحاجة لمن يُذكرنا طوال الوقت بأن نترك هواتفنا وأجهزة الآي باد والكاميرات من أيدينا لنعيش تجربة كأس العالم ونختبر سحر مدينة ريو دي جانيرو بكل ألوانها، ولنتعرف أكثر على شعب البرازيل والمشجعين الذين قطعوا مسافات شاسعة من أنحاء العالم فقط ليحضروا مباراة كرة قدم.
اثنان من هؤلاء المشجعين كانا من هنغاريا، وقد ظلا يحاولان لشهور الحصول على تذاكر لحضور المباريات، وقد تكللت جهودهما بالنجاح أخيراً حين تمكنا من شراء تذاكر لحضور إحدى مباريات الدور ربع النهائي. وفي انتظار الطائرة التي ستُقلّهما من من ريو دي جانيرو إلى ساو باولو، سألانا من أي بلد أنتم؟ ومثل معظم الذين التقيناهم ، كانوا يعرفون القليل عن قطر، وهو القليل الذي تنقله لهم وسائل الإعلام فيما يتعلق بقطر ٢٠٢٢. وقد كان هذان المسافران من بين أكثر الأشخاص الذين التقيناهم إثارة للاهتمام، وهما يعشقان االسفر حول العالم للتعرف على حضارات وثقافات الأمم المختلفة، وقد تركناهما وهما يخططان لزيارة قطر للمرة الأولى حتى "يُشاهداها بأنفسهم، ويقررا إذا ما كانت الصورة التي ينقلها الإعلام حقيقية أم لا."
إحدى التجارب الأخرى التي ما تزال عالقة في ذاكرتي حدثت على شاطئ الكوباكابانا في الصباح الباكر حينما أعطتنا فاطمة النعيمي -مسؤولة الإرث الإنسانيّ والاجتماعي في اللجنة العليا- درساً في كيفية الاسترخاء وتصفية أذهاننا لنعيش اللحظة التي نحن فيها بكل جوانبها، قالت لنا حينها: "أغمضوا أعينكم، وانسوا كل شيء ولا تفكروا بشيء سوى بشكل المستقبل الذي تريدونه لأنفسكم".
كان نجم رحلتنا هو عصا "السيلفي" الذي أعطتنا إياه فاطمة فخرو مديرة المنشآت المساندة في اللجنة العليا،وفخرو هي ممن اعتدنا أن نطلق عليهم لقب الـ"قدامى" فهي –كما العديد من أعضاء الإدارة التنفيذية- تعمل مع قطر ٢٠٢٢ منذ انطلاق الفكرة الأولى للملف وقبل دخولنا المنافسة.
لقد شاركتنا فاطمة قصصاً عن الأيام الأولى للجنة، كما شاركتنا عصا "السيلفي" الذي تمكنا بفضله من التقاط صور ومشاهد مدهشة للمباريات والمواقع التاريخية. ومعظم الصور التي التقطناها كان تظهر فيها مجموعات عشوائية من الجماهير التشيلية الممتلئة بالحماس وهي تصدح بصيحة منتخبها الشهيرة (تشي تشي تشي - لي لي لي).
خلال الوقت الذي قضيناه في ريو، تمكنا من حضور ثلاث مباريات في دور المجموعات، هي إسبانيا وتشيلي، روسيا وبلجيكا، فرنسا والإكوادور. وبغض النظر عن الروح المعنوية المنخفضة التي كانت ظاهرة لدى بعض سكان ريو، وضعف الترويج للحدث داخل المدينة، والمشاكل التي شابت المباريات (وهي كلها عوامل هامة)، فإن أكثر ما ميز هذه الرحلة بالنسبة لي كانت التجربة المشوقة التي عشتها كمشجعة. لقد كنت أتوقع أن يُغير كأس العالم الناس، ولكن لم أكن أتخيل أن تتحول مدينة بأسرها، بسكانها وشوارعها وكل تفاصيلها، للترحيب بضيوفها من كل الأعراق والبلدانفقط لأجل عشق الرياضة الذي يجمعهم.
وأكثر ما ميز مكان إقامتنا في ريو كانت الإطلالة على شاطئ كوباكابانا الأسطوري، فحتى لو حاولت أن تنأى بنفسك عن أجواء كأس العالم وأنت هناك، فسرعان ما ستعيدك منطقة المشجعين التي أقامتها الـ"فيفا" على الشاطئ إلى جنون الكرة الذي يسكن كل زوايا المدينة. وفي أيام مباريات المنتخب الوطني (التي كانت أيام عطلة رسمية) كانت المنطقة تمتلئ عن آخرها فتتجمع الحشود في الشوارع المحيطة بها وتتوقف حركة السير، كانت البلاد كلها توقف أعمالها لتتابع أداء منتخب السامبا على المستطيل الأخضر.
وقد أدهشني حجم الاهتمام الذي أولته البرازيل للاستفادة من هذه البطولة في تحقيق التنمية الاجتماعية على الصعيدين المادي والمعنوي، إذ كانت هناك مبادرات كثيرة بينها مبادرة قامت بها بلديّة ريو دي جانيرو سمتها بـ"مهرجان فيفا من أجل الأمل"، وتقوم هذه المبادرة على مساعدة الأطفال في المناطق الأكثر فقراً لزيادة مشاركتهم في الفعاليات والأنشطة الرياضية.
وكجزء من الوفد، تشرفت بزيارة مكتب رئيس البلدية، ومكتب المحافظ، ومقر اللجنة المنظمة المحلية، ومركز البث الدولي (IBC). وكانت زيارة المركز الإذاعي الدولي الذي يقع بمركز المعارض في ريو واحدة من أبرز محطات هذه الرحلة، حيث تحتل مكاتب المركز ثلاثة مبان مؤقتة ودائمة، وعند انتهاء البطولة سيُمنح الخشب الذي تم استخدامه في تشييد مباني المركز المؤقتة لبناء منازل جديدة لسكان المناطق الأفقر في البرازيل.
وكان المركز يجمع كل استوديوهات القنوات الناقلة لكأس العالم مثلbeIN Sports وFox SportsوESPN. وبعضهم ممن يمتلك حقوقاً حصرية كان لديهم أكشاك خاصة عازلة للصوت. قناةbeIN Sports وحدها كان لديها أكثر من ٥٠٠ صحفي موزعين على جميع أنحاء مدينة ريو بما في ذلك الاستوديو الشهير الذي يُطلّ على شاطئ الكوباكابانا. ويُقدّر عدد التقارير التي أُعدّت وأنتجت حول كأس العالم بـ ٧٠,٠٠٠ ساعة بثّ.
وفي تعليقه على عمل مركز البث الدولي قال لنا ممثل شركة خدمات استضافة البثHBS -الذي رافقنا في جولتنا في المركز- بأن أهم العناصر التي تضمن نجاح بطولة كأس عالم هي أداء اللاعبين وحفاوة الشعب المستضيف باللاعبين والمشجعين. وخلال جولتنا أدركنا جميعاً أن القصص التي تُبث من المركز الدوليّ وتوثق كل ما يتعلق بكأس العالم هي أحد أهم عناصر الإرث الذي ستتركه البطولة للبرازيل. وخلال المقابلات العديدة التي أجريناها خلال الأيام العشرة التي قضيناها في البرازيل، كان الناس يُرددون على مسامعنا بأن الانعكاسات الإيجابية للبطولة على مدينتهم وعلى البرازيل ستظهر بعد أن يُسدل الستار على المونديال، أما خلال أيام البطولة الثلاثين فيكون التركيز على الفيفا والجماهير.
وفي ختام رحلتي وعلى متن الطائرة التي أقلتنا إلى الوطن، دار بيني وبين أحد أفراد الطاقم -ويُدعى دييجو وهو من البرازيل- حديثٌ حول الفرق بين استضافة كأس العالم في البرازيل واستضافته في قطر، وقد حدثني دييجو حول تجربته عندما رافق المنتخب البرازيلي قبل عامين في رحلتهم من الدوحة إلى ساو باولو بعد خوضهم مباراة ودية دولية في قطر، قائلاً: "اتذكر ما قاله لي بأنهم يتوقعون بأن تُنظم قطر بطولةً مذهلة عام ٢٠٢٢".
وقد انتهى حديثنا وأنا أفكر بحجم التأثير الذي يتركه كأس العالم على الجميع في كل أنحاء العالم، وبأننا نحن من سيقرر ما الذي سيرويه الناس عنا بعد كأس العالم ٢٠٢٢.